عبد الوهاب الشعراني
418
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
( فالجواب ) : أن ملحظهم الأعمال الواقعة من المكلفين فمن كان ملحظه عظمة الذنوب وقبحها اشترط في الطهارة الماء المطلق ومن كان ملحظه غلبة الرحمة على الخلق جوز الطهارة بالماء المستعمل بشرطه لبقاء الروحانية في الماء ولو تكررت الطهارة به بدليل إنباته الزرع فكلما كانت ذنوب العبد أقبح وأكثر طولب باستعمال الماء الذي لم يستعمل قط إلا أن يكون مستبحرا ولا شك أن الماء الذي لم يستعمل أنعش لبدن العاصي ومن شك فليجرب . وللإمام أبي خنيفة في الماء المستعمل ثلاث روايات : ( أحدها ) : أن المستعمل في الحدث حكمه حكم الماء المتغير بالنجاسة . ( ثانيها ) : أنه كبول البهائم سواء . ( ثالثها ) : أنه طاهر في نفسه غير مطهر لغيره كقول الشافعية وهذا أعدل الروايات ، وأما الإمام مالك فيجوز الطهارة بالماء متكررا ما لم يتغير جدا على ما بلغنا فهو أوسع الأئمة قولا في ماء الطهارة ولكل من روايات أبي حنيفة الثلاث وجه فوجه الرواية الأولى : الأخذ بالاحتياط فيجعل غسالة تلك الطهارة كأنها غسالة في الكبائر من زنى ولواط وشرب خمر ، ومرافعة في الناس ، وغيبة في العلماء العاملين والأولياء والصالحين ، وغسالة هذه الكبائر إذا خرجت في ماء قذرته ضرورة وغيرته ، والناس بين مقل ومكثر في ارتكابه هذه الذنوب ومن الناس من يجمع بين فعلها كلها في يوم أو جمعة . ( فإن قيل ) : إن الحكم بنجاسة غسالة طهارة الناس يلزم منه سوء الظن بهم ؟ ( فالجواب ) : لا يلزم من ذلك سوء ظن إنما ذلك احتياط فيعامل الناس كمعاملة من يسيء بهم الظن من غير سوء ظن فلا يلزم من الحكم بنجاسة الماء المستعمل إثبات المعاصي في حقهم . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول مرارا : إنما قال الإمام أبو حنيفة بنجاسة غسالة ماء الطهارة لأنه كان من أهل الكشف فكان إذا رأى في الماء عرف غسالة كل ذنب وميزه عن غسالة غيره وصاحب هذا الكشف لا يقدر على الخروج عن حكم مشهده لأنه يشاهد الماء قذرا منتنا فكيف يتوضأ منه أو يغتسل وكان سيدي علي رحمه اللّه يقول : من كشف اللّه عن بصيرته رأى غسالة الكبائر أقذر وأنتن من بول الكلب والحمار أو جيفتهما انتهى . وأما وجه الرواية الثانية فهو : أن غالب معاصي العباد الذين يتطهرون منها صغائر والأصل عدم وقوعهم في الكبائر أو ندور ذلك بالنسبة لوقوعهم في الصغائر ومعلوم أن الصغائر حالة متوسطة بين